ابن تغري

298

المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي

وبالجملة كانت محاسنه أكثر من مساوئه ، وكان حاله أحسن من حال غيره من ملوك مصر السالفة من حيث الدين وعفة الذيل ، فإنه كان قد قمع المفسدين والجبابرة من كل طائفة ، وكسدت في أيامه « حال أرباب الملاهي » « 1 » والمسكرات ، وتصولح غالب أمرائه وجنده ، وبقي أكثرهم يصوم الأيام الكثيرة في كل شهر ، ويعف عن المنكرات ، وكل ذلك مراعاة لخاطره ، وخوفا من بطشه لما يرون من تشديده على من يفعل القبائح والمنكرات ، وهذا بخلاف الملوك السابقة فإنهم كانوا كثيرا ما يفعلون ذلك ، فكان يصير كل قبيح جهارا ، ومن عظم حرمته وشدة بطشه قال بعض الفضلاء : تابت هذه الدولة عن الموت في هدم « 2 » اللذات [ والأيام الطيبة ] ، وكان « 3 » الذين يتعاطون [ المسكرات « 3 » ] في أيامه وهم القليل من الناس صاروا يتعاطون في خفية ، ويرجفهم في تلك الحالة صغير الصافر . وأبطل من تقشفه أشياء كثيرة من شعار المملكة ، مثل : سوق المحمل ، والنرول إلى الصيد بالجوارح ، وخدمة الإيوان ، والحكم بباب السلسلة بالإصطبل « 4 » السلطاني ، ونوابة خاتون التي كانت تدق بقلعة الجبل عند الصباح والمساء ، أشياء كثيرة من هذا النمط ، ذكرناها مفصلة « 5 » في كتابنا الحوادث ، وكل ذلك كان يكرهه مما يقع فيه من المفاسد ، لا يفعل ذلك توفرة للأموال ، فإن

--> ( 1 ) « » ساقط من ن . ( 2 ) « هذه » في ط ، ن . ( 3 ) [ ] إضافة من النجوم الزاهرة ج 15 ص 458 . ( 4 ) « وبالأصطبل » في ن . ( 5 ) « متصلة » في ط ، « في كتابنا متصلة » في ن .